أحمد بن محمد المقري التلمساني
192
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
ولمّا بدا شيبي عففت عن الهوى * كما يهتدي حلف السّرى بنجوم « 1 » وفارقت أشياع الصبابة والطّلا * وملت إلى أهلي علا وعلوم « 2 » [ موقف لابن الفخار ] ولمّا تألّب بنو حسّون على القاضي الوحيدي المذكور صادر عنه العالم الأصولي أبو عبد اللّه بن الفخار ، وطلع في حقّه إلى حضرة الإمامة مراكش ، وقام في مجلس أمير المسلمين ابن تاشفين ، وهو قد غصّ بأربابه ، وقال : إنه لمقام كريم ، نبدأ فيه بحمد اللّه على الدنوّ منه ، ونصلّي على خيرة أنبيائه محمد الهادي إلى الصراط المستقيم ، وعلى آله وصحابته نجوم الليل البهيم ، أمّا بعد ، فإنا نحمد اللّه الذي اصطفاك للمؤمنين أميرا « 3 » ، وجعلك للدين الحنيفي نصيرا وظهيرا ، ونفزع إليك ممّا دهمنا في حماك ، ونبثّ إليك ما لحقنا من الضيم ونحن تحت ظلّ علاك ، ويأبى اللّه أن يدهم من احتمى بأمير المسلمين ، ويصاب بضيم من ادّرع بحصنه الحصين ، شكوى قمت بها بين يديك في حقّ أمرك الذي عضده مؤيّده ، لتسمع منها ما تختبره برأيك وتنقده ، وإنّ قاضيك ابن الوحيدي الذي قدّمته في مالقة للأحكام ، ورضيت بعدله فيمن بها من الخاصة والعوام ، لم يزل يدلّ على حسن اختيارك بحسن سيرته ، ويرضي اللّه تعالى ويرضي الناس بظاهره وسريرته ، ما علمنا عليه من سوء ، ولا درينا له موقف خزي ، ولم يزل جاريا على ما يرضي اللّه تعالى ويرضيك ويرضينا إلى أن تعرّضت بنو حسّون إلى الطعم في أحكامه ، والهدّ من أعلامه ، ولم يعلموا أنّ اهتضام المقدّم ، راجع على المقدّم ، بل جمحوا في لجاجهم فعموا وصمّوا ، وفعلوا وأمضوا ما به همّوا : [ الخفيف ] وإلى السّحب يرفع الكفّ من قد * جفّ عنه مسيل عين ونهر فملأ سمعه بلاغة أعقبت نصره ونصر صاحبه . ومن شعر ابن الفخار المذكور ، ويعرف بابن نصف الربض ، قوله : [ الطويل ] أمستنكر شيب المفارق في الصّبا * وهل ينكر النّور المفتّح في الغصن « 4 » أظنّ طلاب المجد شيّب مفرقي * وإن كنت في إحدى وعشرين من سنّي وقوله : [ المتقارب ]
--> ( 1 ) في ب ، ه : « ولما بدا شيبي عطفت على الهدى » . والسري : السير ليلا . ( 2 ) الصبابة : رقة الحب . والطلا : الهوى . ( 3 ) في ب ، ه : « للمسلمين أميرا » . ( 4 ) النّور : نوع من الزهر الأبيض .